أخبار دوليةأخبار وطنيةمقالات

الدعم الموجه ام الدعم الشامل؟ قراءة تقنية في خيار صعب /بقلم: جمال محمد خطري سگان

تابعتُ الليلة، كما تابع كثيرون، التدوينتين اللتين نشرهما معالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي على صفحته في فيسبوك، واللتين أثارتا نقاشاً واسعاً. وما دفعني إلى الكتابة ليس الجانب السياسي من النقاش ـ وذلك شأن آخر ـ بل غياب البُعد التقني عن معظم التعليقات. فالموضوع في جوهره قضية مالية عامة لها أدواتها التحليلية الدقيقة، وأرى أن المواطن من حقه أن يفهمها بوضوح.

أولاً: أزمة لم نصنعها
قبل الحديث عن الخيارات المتاحة، لا بد من استيعاب حجم الصدمة الخارجية التي فُرضت علينا. فقد أدت التطورات العسكرية والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته على المستوى العالمي، كما زادت المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات وسلاسل النقل البحري.
هذه صدمة خارجية تواجهها دول عديدة، والسؤال الحقيقي ليس: “هل سترتفع الأسعار؟”، بل: “كيف تُوزَّع كلفة هذا الارتفاع بين الخزينة العامة والمواطن؟ ومن يتحمل العبء الأكبر؟”

ثانياً: الدعم الشامل… ما لا يقوله المتحمسون له
حين يطالب البعض بتجميد أسعار المحروقات بالكامل، فهم يطالبون عملياً بأن تتحمل الدولة كامل الزيادة الناتجة عن ارتفاع الأسعار العالمية. وهنا يبرز سؤال جوهري: من المستفيد الحقيقي من هذا النوع من الدعم؟
تُظهر أدبيات المالية العامة، وكذلك العديد من الدراسات الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية، أن الدعم غير الموجَّه غالباً ما تكون استفادة الفئات الأكثر استهلاكاً للطاقة منه أكبر من استفادة الفئات الأقل دخلاً. فالأسر التي تملك سيارات متعددة أو تستهلك كميات أكبر من الوقود تستفيد بدرجة أكبر من الأسر محدودة الموارد.
وعلاوة على ذلك، فإن الأموال المخصصة لهذا الدعم لا تأتي من فراغ، بل هي موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية أو إلى برامج الحماية الاجتماعية. وبالتالي فإن النقاش لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق، بل أيضاً بكيفية توجيهه وأثره على العدالة الاجتماعية.

ثالثاً: الدعم الموجَّه… المنطق التقني للخيار المعتمد
ما أعلنته الحكومة اليوم، تنفيذاً لتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية، ينسجم مع ما يُعرف في المالية العامة بمبدأ الكفاءة في تخصيص الموارد العامة. ويقوم هذا النهج على الجمع بين امتصاص جزء من آثار ارتفاع الأسعار والمحافظة في الوقت نفسه على التوازنات المالية والبرامج التنموية.
وفي هذا الإطار، تم الإعلان عن حزمة من الإجراءات الاجتماعية شملت:
* توفير سلات غذائية لصالح 155 ألف أسرة، تضم مواد أساسية مثل الأرز والقمح والمعكرونة والسكر والزيت.
* تقديم تحويلات نقدية لصالح 352 ألف أسرة.
* مواصلة الإجراءات الاجتماعية التي أُعلنت سابقاً لفائدة الأسر الهشة والمتقاعدين وذوي الدخل المحدود.
* رفع الحد الأدنى للأجور من 45 ألف أوقية قديمة إلى 50 ألف أوقية قديمة.
المنطق هنا بسيط: بدلاً من توزيع الموارد على الجميع بغض النظر عن مستوى الدخل، يتم توجيه جزء معتبر منها إلى الفئات الأكثر احتياجاً، بما يسمح بتحقيق أثر اجتماعي أكبر لكل أوقية يتم إنفاقها.

رابعاً: الرقم الإجمالي ودلالته
إن حجم الموارد التي خصصتها الدولة لمواجهة هذه الأزمة يعكس قدرة الميزانية العامة على التدخل عند الضرورة. وفي علم المالية العامة، يُعرف ذلك بـ هامش المناورة المالية، أي قدرة الدولة على تعبئة موارد إضافية لمواجهة الصدمات دون اللجوء المفرط إلى الاستدانة أو تعطيل البرامج الأساسية.
وهذا الهامش لا يُبنى في لحظة الأزمة، بل هو نتيجة تراكمات من الانضباط المالي وتحسين تعبئة الموارد وترشيد الإنفاق العمومي. فالدول التي لا تمتلك هذا الهامش تجد نفسها غالباً أمام خيارات صعبة عند وقوع الأزمات الاقتصادية أو الجيوسياسية.
وفي النهاية، قد يختلف الناس حول الخيارات والسياسات، وهذا أمر طبيعي ومشروع، لكن النقاش يصبح أكثر فائدة عندما يستند إلى الأرقام والمعطيات والتحليل الموضوعي، لا إلى الانطباعات وحدها.

تعليق تحليلي من منظور المالية العام

بقلم: الخبير المالي والاستراتيجي جمال محمد خطري سگان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى